نواف الغفيلي
29 / 06 / 2007, 50 : 12 AM
الحب نقيض الحرب ، ففى الحرب كره وموت ، وفى الحب .. حب وحياة ، فالحب يقاوم الموت ، لهذا لم يهزنى شعار للمقاومة مثل ( بحبك يالبنان ) ، شعار بسيط وعميق يفسر لماذا يضحى الناس بأرواحهم من أجل أوطانهم ، لا لشيئ إلا لأنه قدم لهم كل قصص الحب التى عاشوها ، أعنى الحب فى كل صوره ، فأن تحب الله ، وأن تحب بيتك ، وعملك ، وأصدقائك ، وفاتنة الحى .. كل هذا يعنى أنك تحب وطنك ، ويعنى أنك مستعد أن تضحى بحياتك من أجله ، ونحن عندما نقرأ قصص العشاق العظام الذين ضحوا بحياتهم ، لانأسف عليهم ، بل نحسدهم ونتمنى أن نكون مثلهم ، لدينا ما نحبه ، ونضحى من أجله ، وضحايا الحب نسميهم شهداء الغرام ، والشهادة أعلى المنازل التى يحصل عليها إنسان فى الوجدان الدينى ، وهى الوحيدة التى تنزع عن الإنسان صفة الموت ، وتخلده ، وتحتسبه عند الله حيا يرزق .
والكلام عن الحب وقصصه معنى رافق كل الحضارات وتجلى فى كل الثقافات ، وفى الثقافة العربية ، فإن أخطر وأهم وثائق الحب وقصصه قدمها لنا ابن السراج من بغداد فى نهاية القرن الرابع الهجرى ، وهو كتابه الشهير ( مصارع العشاق ) ليجعله مصدراً رئيساً لأخبار وقصص العشق العربى بل الكونى ، المتنوع فى درجاته واتجاهاته ، فهناك الحب الإلهى والحب بين البشر والحيوان والطير بل وفى مملكة النبات ، وهكذا لم يترك ابن السراج صورة من صور الحب إلا وقد أورد لها قصصاً وأخباراً ، حتى أنه لم يتحرج أن يخبرنا عن عشاق الغلمان وشعرهم الماجن ، رغم موقفه ـ وهو شيخ فقيه ـ وموقف الإسلام المحرم لهذا النوع من العلاقات ، إذ يبدو أن هذه الظاهرة ترتبط بأوضاع اجتماعية مركبة ، وكانت بغداد فى عصره ، فى قمة التركيب الثقافى بما يسمح بالكلام عنها ومناقشتها .
أما الاستراتيجية الفكرية التى تبناها ابن السراج فى مؤلفه ، هى أن الحب لايبلغ منتهاه إلا بالموت ، أى الشهادة ، وهكذا فموت المحبين حياة لهم ، وللموت حباً صور عدة ، منها التغير ، فهناك عشاق كانوا ماجنين ، ثم عشقوا ، وصدوا عن كل وصل إلا مع أحبتهم حتى لو كانوا متخيلين، فماتت شهواتهم وتغيرت نزعاتهم ، بمعنى أن الحب سبيل للتسامى بالغريزة ، فالحب الشهوى درجة بدائية منه ، وثمة حالات من الحب وصفها ابن السراج شعرا ونثراً وإخبارا وسرداً ، دون تحليل أو تصنيف ، وكأن هدفه هو حشد الروايات بهدف التسلية والإمتاع ، وفى أفضل الأحوال لاتخاذ العظة ، والتأثر بأسمى صور العشق ، أعنى العشق الإلهى على نحو ماحدثنا بأخبار عن رابعة العدوية ورياح القيسى والشبلى وذى النون المصرى وغيرهم من كبار الزهاد والمتصوفة .
الدرس الأول من ابن السراج أن العظة والتعليم لاتتعارضان مع التلسية والإمتاع ، لهذا كان الكتاب مقصدا ومرجعاً للباحثين وشراح التراث ، وأنا شخصياً لم أتردد أن اقرأ كتابين عن ابن السراج فى شهر واحد ، فعن دار قباء صدر كتاب جديد بنفس عنوان كتاب ابن السراج الأصلى " مصارع العشاق" للناقد والمبدع الدكتور محمد حسن عبدالله ، وهو تنسيق لقصص الحب فى الكتاب الأصل ، وعن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب " مستويات العشق وآليات السرد فى مصارع العشاق " ، وهو رسالة دكتوراة للباحث عماد حمدى ، وفيه جهد ملحوظ فى ترتيب وتبويب وتصنيف الكتاب الأصل بحيث يكّون منظومة معرفية متكاملة عن مفهوم الحب وصوره وتجلياته عند العرب ، ومن ثم فهو يعمل على مافات ابن السراج ، أى جانب التعليقات النظرية والتحليلات الثقافية ، التى أهملها ابن السراج ، وهذا جهد علمى محترم بلا شك ، لكن المقارنة بين كتاب عماد حمدى وأستاذه محمد حسن عبد الله أكدت لى ما كنت اعتقده دائماً ، أى أن حاجتنا إلى الإسلوب الإبداعى فى استقراء الثراث أكبر من حاجتنا إل الإسلوب العلمى ، ولدى أسباب عدة لهذا الزعم ، منها أن التناول العلمى ـ أحيانا ـ يهدرـ السياقات الجمالية والفنية فى التراث لصالح الدقة والأمانة العلمية ، كما أن المقاربات التحليلية تصادر على وعى المتلقى ، وتعيق تذوقه للنص التراثى فى نسقه الثقافى .
ولحسن الحظ لم يحدث هذا كثيراً مع رسالة عماد حمدى ، لكن لمسة المبدع عند محمد حسن عبدالله كانت واضحة فى كتابه ، فهو ينهج نهجاً شديد البساطة وعميق التأثير فى نفس الوقت ، إذ يعود للكتاب الأصل ، ليخلصه من سلاسل الرواة ، وما هو زائد عن الحاجة من أخبار ونوادر وأشعار وتعليقات ، صارت عبئاً على القارى المعاصر ، ولاسيما أن كثيراً منها متشابه ومكرور إلى حد الملل ، ثم ينتهى إلى جوهر الحكاية ، وصياغتها فى أسلوب سردى إبداعى ، ينهض على نفس المفهوم الذى كان ينهض عليه السرد العربى القديم ، محافظاً على روحه التراثية ، وهو أسلوب استخلصه من كتاب تراثى آخرللتنوخى وهو ( الفرج بعد الشدة ) ، أى بلغة النقد الحديث ( الحل بعد العقدة ).
فحركة السرد تقوم بين مد وجذر ، إذ تأخذ الحكاية فى التعقد لتصل إلى ذروة يبدأ بعدها ارتخاء التوتر السردى وصولا إلى الحل ، الذى يحدث الراحة الشعورية ، والإشباع الجمالى للقارئ .
ومن ثم فلا غرابة أن يقول المؤلف فى مقدمته ، إنما يقدمه ـ أى الكتاب ـ للقارئ العام وللمبدعين الذين يخاطبون الوسائل الفنية الحديثة فى مقاربة التراث ، ثم أنه يعيد تصنيف الكتاب وترتيبه على أساسى فنى ، ويمنح فصوله عناوين فنية مثل : " شعراء عشاق و خلفاء عشاق و عشاق الصوفية ..الخ " .
ولعل هذه المعالجة تمنح القارئ فرصة اختبار النصوص المسرودة عبر السياقات الثقافية والحضارية فى عصرها ، فتفيدنا قصص ( خلفاء عشاق ) عن الجوانب الإنسانية فى حياة حكام لانعرف عنهم سوى مكرهم السياسى وبأسهم العسكرى ، كما توقفنا قصص ( عشاق الصوفية ) عن موقف الإسلام الصحيح من المرأة ، فهى ليست دائماً قرين الشيطان كما تصورها الثقافة الذكورية ، وإلا لما حظيت رابعة العدوية بهذه المكانة فى مجال العشق الإلهى .
وهكذا ، فإلى جانب المتعة الفنية التى يحققها لنا الكتاب ننال قدراً عميقاً من المعرفة التاريخية المتنوعة التى يجليها لنا محمد حسن عبد الله بثقافته الموسوعية ، وتجعل الكتاب استكمالاً لمشروع متكامل قدم لنا ـ من قبل ـ منه عدة كتب مثل معالجته لكتاب الفرج بعد الشدة ، وكذا كتابه الشهير ( تراث الحب عند العرب) ، أما كتاب الباحث عماد حمدى عن مصارع العشاق ، يأتى ـ بطابعه العلمى ـ بمثابة ضابط الإيقاع لتلك المعرفة التاريخية الكامنة فى كتاب ابن السراج ، وعلى كل ، فالذى يتاح له أن يقرأ الكتابين معاً ، لابد سيحصل على وجبة دسمة من الحب ، تعينه على مواصلة الحياة بين الأنقاض والأشلاء التى تخلفها الحرب .
بالطبع ، فكتاب ابن السراج لم يذكر شيئاًعن حب الوطن كما نفهمه الآن ، ليس ـ فقط ـ لأن مفهوم المواطنة والوطنية لم يكن واضحاً فى ثقافة العرب كما هو الآن ، ولكن ـ أيضاـ لأن حب الوطن كان هو القاسم المشترك فى أغلب قصائد العرب ، وكان ذائباً فيها بحيث لايمكن عزله والنظر إليه كموضوع شعرى متفرد ، بل كجزء من تصور العربى لما هو شعر ، ومن ثم ، فمعظم شعراء العرب يبدأون بالنسيب ، وتذاكر الأهل والأوطان وملاعب الصبا ومرابع الأحبة ، وكأن الوطن هو المعادل المكانى لمعنى الشعر ، من أجل هذا ، لم أجد شعاراً وطنياً أعظم وأصدق من ( بحبك يالبنان ) ، على نحو يرد كلمة ( شعار ) إلى أصلها اللغوى المرتبط بالشعر والشعور ، ويسمو به فوق المعنى الدارج والمبتذل لكلمة ..شعار .
والكلام عن الحب وقصصه معنى رافق كل الحضارات وتجلى فى كل الثقافات ، وفى الثقافة العربية ، فإن أخطر وأهم وثائق الحب وقصصه قدمها لنا ابن السراج من بغداد فى نهاية القرن الرابع الهجرى ، وهو كتابه الشهير ( مصارع العشاق ) ليجعله مصدراً رئيساً لأخبار وقصص العشق العربى بل الكونى ، المتنوع فى درجاته واتجاهاته ، فهناك الحب الإلهى والحب بين البشر والحيوان والطير بل وفى مملكة النبات ، وهكذا لم يترك ابن السراج صورة من صور الحب إلا وقد أورد لها قصصاً وأخباراً ، حتى أنه لم يتحرج أن يخبرنا عن عشاق الغلمان وشعرهم الماجن ، رغم موقفه ـ وهو شيخ فقيه ـ وموقف الإسلام المحرم لهذا النوع من العلاقات ، إذ يبدو أن هذه الظاهرة ترتبط بأوضاع اجتماعية مركبة ، وكانت بغداد فى عصره ، فى قمة التركيب الثقافى بما يسمح بالكلام عنها ومناقشتها .
أما الاستراتيجية الفكرية التى تبناها ابن السراج فى مؤلفه ، هى أن الحب لايبلغ منتهاه إلا بالموت ، أى الشهادة ، وهكذا فموت المحبين حياة لهم ، وللموت حباً صور عدة ، منها التغير ، فهناك عشاق كانوا ماجنين ، ثم عشقوا ، وصدوا عن كل وصل إلا مع أحبتهم حتى لو كانوا متخيلين، فماتت شهواتهم وتغيرت نزعاتهم ، بمعنى أن الحب سبيل للتسامى بالغريزة ، فالحب الشهوى درجة بدائية منه ، وثمة حالات من الحب وصفها ابن السراج شعرا ونثراً وإخبارا وسرداً ، دون تحليل أو تصنيف ، وكأن هدفه هو حشد الروايات بهدف التسلية والإمتاع ، وفى أفضل الأحوال لاتخاذ العظة ، والتأثر بأسمى صور العشق ، أعنى العشق الإلهى على نحو ماحدثنا بأخبار عن رابعة العدوية ورياح القيسى والشبلى وذى النون المصرى وغيرهم من كبار الزهاد والمتصوفة .
الدرس الأول من ابن السراج أن العظة والتعليم لاتتعارضان مع التلسية والإمتاع ، لهذا كان الكتاب مقصدا ومرجعاً للباحثين وشراح التراث ، وأنا شخصياً لم أتردد أن اقرأ كتابين عن ابن السراج فى شهر واحد ، فعن دار قباء صدر كتاب جديد بنفس عنوان كتاب ابن السراج الأصلى " مصارع العشاق" للناقد والمبدع الدكتور محمد حسن عبدالله ، وهو تنسيق لقصص الحب فى الكتاب الأصل ، وعن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب " مستويات العشق وآليات السرد فى مصارع العشاق " ، وهو رسالة دكتوراة للباحث عماد حمدى ، وفيه جهد ملحوظ فى ترتيب وتبويب وتصنيف الكتاب الأصل بحيث يكّون منظومة معرفية متكاملة عن مفهوم الحب وصوره وتجلياته عند العرب ، ومن ثم فهو يعمل على مافات ابن السراج ، أى جانب التعليقات النظرية والتحليلات الثقافية ، التى أهملها ابن السراج ، وهذا جهد علمى محترم بلا شك ، لكن المقارنة بين كتاب عماد حمدى وأستاذه محمد حسن عبد الله أكدت لى ما كنت اعتقده دائماً ، أى أن حاجتنا إلى الإسلوب الإبداعى فى استقراء الثراث أكبر من حاجتنا إل الإسلوب العلمى ، ولدى أسباب عدة لهذا الزعم ، منها أن التناول العلمى ـ أحيانا ـ يهدرـ السياقات الجمالية والفنية فى التراث لصالح الدقة والأمانة العلمية ، كما أن المقاربات التحليلية تصادر على وعى المتلقى ، وتعيق تذوقه للنص التراثى فى نسقه الثقافى .
ولحسن الحظ لم يحدث هذا كثيراً مع رسالة عماد حمدى ، لكن لمسة المبدع عند محمد حسن عبدالله كانت واضحة فى كتابه ، فهو ينهج نهجاً شديد البساطة وعميق التأثير فى نفس الوقت ، إذ يعود للكتاب الأصل ، ليخلصه من سلاسل الرواة ، وما هو زائد عن الحاجة من أخبار ونوادر وأشعار وتعليقات ، صارت عبئاً على القارى المعاصر ، ولاسيما أن كثيراً منها متشابه ومكرور إلى حد الملل ، ثم ينتهى إلى جوهر الحكاية ، وصياغتها فى أسلوب سردى إبداعى ، ينهض على نفس المفهوم الذى كان ينهض عليه السرد العربى القديم ، محافظاً على روحه التراثية ، وهو أسلوب استخلصه من كتاب تراثى آخرللتنوخى وهو ( الفرج بعد الشدة ) ، أى بلغة النقد الحديث ( الحل بعد العقدة ).
فحركة السرد تقوم بين مد وجذر ، إذ تأخذ الحكاية فى التعقد لتصل إلى ذروة يبدأ بعدها ارتخاء التوتر السردى وصولا إلى الحل ، الذى يحدث الراحة الشعورية ، والإشباع الجمالى للقارئ .
ومن ثم فلا غرابة أن يقول المؤلف فى مقدمته ، إنما يقدمه ـ أى الكتاب ـ للقارئ العام وللمبدعين الذين يخاطبون الوسائل الفنية الحديثة فى مقاربة التراث ، ثم أنه يعيد تصنيف الكتاب وترتيبه على أساسى فنى ، ويمنح فصوله عناوين فنية مثل : " شعراء عشاق و خلفاء عشاق و عشاق الصوفية ..الخ " .
ولعل هذه المعالجة تمنح القارئ فرصة اختبار النصوص المسرودة عبر السياقات الثقافية والحضارية فى عصرها ، فتفيدنا قصص ( خلفاء عشاق ) عن الجوانب الإنسانية فى حياة حكام لانعرف عنهم سوى مكرهم السياسى وبأسهم العسكرى ، كما توقفنا قصص ( عشاق الصوفية ) عن موقف الإسلام الصحيح من المرأة ، فهى ليست دائماً قرين الشيطان كما تصورها الثقافة الذكورية ، وإلا لما حظيت رابعة العدوية بهذه المكانة فى مجال العشق الإلهى .
وهكذا ، فإلى جانب المتعة الفنية التى يحققها لنا الكتاب ننال قدراً عميقاً من المعرفة التاريخية المتنوعة التى يجليها لنا محمد حسن عبد الله بثقافته الموسوعية ، وتجعل الكتاب استكمالاً لمشروع متكامل قدم لنا ـ من قبل ـ منه عدة كتب مثل معالجته لكتاب الفرج بعد الشدة ، وكذا كتابه الشهير ( تراث الحب عند العرب) ، أما كتاب الباحث عماد حمدى عن مصارع العشاق ، يأتى ـ بطابعه العلمى ـ بمثابة ضابط الإيقاع لتلك المعرفة التاريخية الكامنة فى كتاب ابن السراج ، وعلى كل ، فالذى يتاح له أن يقرأ الكتابين معاً ، لابد سيحصل على وجبة دسمة من الحب ، تعينه على مواصلة الحياة بين الأنقاض والأشلاء التى تخلفها الحرب .
بالطبع ، فكتاب ابن السراج لم يذكر شيئاًعن حب الوطن كما نفهمه الآن ، ليس ـ فقط ـ لأن مفهوم المواطنة والوطنية لم يكن واضحاً فى ثقافة العرب كما هو الآن ، ولكن ـ أيضاـ لأن حب الوطن كان هو القاسم المشترك فى أغلب قصائد العرب ، وكان ذائباً فيها بحيث لايمكن عزله والنظر إليه كموضوع شعرى متفرد ، بل كجزء من تصور العربى لما هو شعر ، ومن ثم ، فمعظم شعراء العرب يبدأون بالنسيب ، وتذاكر الأهل والأوطان وملاعب الصبا ومرابع الأحبة ، وكأن الوطن هو المعادل المكانى لمعنى الشعر ، من أجل هذا ، لم أجد شعاراً وطنياً أعظم وأصدق من ( بحبك يالبنان ) ، على نحو يرد كلمة ( شعار ) إلى أصلها اللغوى المرتبط بالشعر والشعور ، ويسمو به فوق المعنى الدارج والمبتذل لكلمة ..شعار .